الأحد، 29 يناير، 2017

جرعة صيانة (4)

فَشَلت محاولة إدعاء عدم الإهتمام تلك بجدارة، فالعين على شاشة الهاتف و القلب يسجل خَطْوَهُ بإستبسال.. لا يكل و لا يهدأ.

إذاً يدعوها (سُنبلة)، تعرفهُ على صديقتها التي من طينتها و تستأذن منه للتحدث معه على انفراد... مذهولاً يبدو، يقبل بتردد ليختفيان وراء الحشد... 
أراقب أنا...يأتي شيطانٌ كآبتي ليخيم بجانبي (انتِ البعرفك منو؟)...الا يفترض بشياطيننا أن تصنع مِنّا مخلوقات (ايقوسنترية) تُقنعنا بأن العالم يدور في فلكنا؟! سأحاول تجاهل هذا الصوت أيضاً...

مرت دقائق، لا أدري خلال أيُها فقدت اهتمامي بسبر اغوار عالم أعتبره ملكي و خطفته سُنبلة مني،  شَدّ نظري مجموعة شباب يرقصون على إيقاعات أغاني الرطانة بأجمل طريقة شاهدتها في حياتي، حركات متناغمة،يميلون في نفس الوقت، سوياً يصفقون، معاً يضربون بأرجلهم الأرض، اختاروا الرقص في دائرة مُغلقة،ربما هذا هو حال الحياة ندور مروراً بنقاطٍ مُختلفة و لكننا نظل في نفس الحلقة، تذكرت قول أحدهم في برنامج تلفزيوني مُعلِقاً على رقصة تشبه هذه بالقول أنها مستوحاة من حركة البحر و الماء مداً و جزراً و حركة النخيل مع الهواء...لا أدري كم ظللت على تلك الحال،  انضم إلى تلك المجموعة اطفال من المدرسة... يتبعون القائد،  يتعلمون سريعاً هؤلاء الأطفال،متى فقدت هذه القدرة؟  
متى أصبحتُ قادرة على نسيان ماضٍ قريب، تعلق قلبي فيه و انكسر،  ننسى و لا نتعظ،  حال البشر و على رأسهم انا... 

عاد (الحبيب المُنْتظر)، لا تتبعه هالة، جاءت وحيدة من الجهة الأخرى... اسلوب تمويه أم فراق ظاهر؟  اكثرت من قراءة نظريات المؤامرة... 

تناديني سلمى للرقص،  تقترب هامسةً (عمتك سألت منك)، العبارات المفتوحة، خبرٌ مُغَلفٌ بلوم قد تتبعه معركة أخرى... لا قِبَلَ لي بحرب، سأرقص من أجل أن تراني عمتي...سأرقص حتى تهتريء أقدامي، تباً للكعب العالي، مرحباً بـ(مسمار الكعب) و أمراض الغضاريف و تَشَكُلِ العظام...كل ما يُهم هو المظهر المتناسق و بارك الله في مُسكنات الألم. 
تمسك سلمى بيدي،  كما فعلت دائماً في صغري، تختار لنا مكاناً في الصف المنتظم... و على حين غرة ينقلب اللحن و يبدأ الفنان بـ(البياح)...استُهلكت هذه الأغنية اكثر من تنفيذ رسومات كتاب(اليس في بلاد العجائب) في مكتبات بريطانيا، و انفصم وثاق الصفوف،  تفرقنا... انتشرت فوضى خلاقة.. 
جيلٌ يرقص رقص حديث، جيلٌ ينفذ حركات الجيلاني،  و آخر يغني واقفاً، يتبع اللحن حيناً و ينشز أحياناً...و إني لمن هؤلاء، علاقتي بالرقص مُعقدة جداً،  عندما اكون وحيدة ارقص كمايكل جاكسون "في اسوأ حالاته" يضيف (محمود) أخي الذي أكبره بثلاثة اعوام،  و أمام البشر لا اتحرك، فقط اتجمد، اتقن دور الثلج،  دائماً ما اعطي من أمامي إحساساً بأن الجاذبية في بقعتي هي الأعلى.. بأن الأرض تنتج اسمنتاً لإبقائي على سطحها من دون حراك... تقسم والدتي أنها عين، و يصر الخواجات على أنه رهاب اجتماعي، سأصدق أمي.  

فجأة يقف  أمامي ، هذا الرجل "ملك الفجأة"،  سيتسبب بقتلي يوماً ما،  تضحك سلمى (مُختااااااار.. ما معقول)، أشك الآن ان اسمه (مختار ما معقول).. احتاج لمرة ثالثة للتأكد،  و ...دقيقة،  حتى سلمى تعرفه؟!  
مَدَ يده بثقة، كأنه و سلمى أصدقاء سنين، مرت دقائق او ثوانٍ أحسبها سنين... ماذا أفعل ارقص؟ اقف كالصنم كما كنت؟  ام.... تقاطع سلمى لحظة الحسم تلك "نسيت أعرفك، على عبير، أختي، صيدلانية و كدة"...يا وكيلي يا الله... يبتسم لي،  للملاك ابتسامة،  مد يده و توقفت الدنيا (هو دي انتي انتي ولا واحدة تانية؟)..ثَقُلَ لساني، و ثقلت يدي،  امدها بصعوبة،  يؤلمني فكي،  ينقطع الهواء عني... أعراض ذبحة؟  ماهي الإحتمالات لشخص في سني و بأسلوب حياتي و وزني هذا؟ بعيدة؟!...اوميء برأسي فقط،  يضحك و يميل نحو سلمى سائلاً(بكماء هي؟!)...قطبت حواجبي، بدأت الآن أضعه في رأسي.. بدأ يستفز صمتي،  سأرد صمتاً و ليمُت هو حديثاً...و.. اللهم إني أعوذ بك من هذا الفأل. 
= اتقابلتوا يعني؟!  تمام طيب. 
- شبه كدة،  بس ما كنت عارفها بِتَكُم! 
=كانت في الجامعة ايام جيتنا،  و الله يا مختار يا حليلك.. 
- تحلى ليك العافية..  

يبدو لَبِقاً، لديه فن في الرد عالٍ، شيء آخر لا املكه...كيف حكمت عليه سريعاً هكذا؟  هممم لا يهم، فلي مهاراتي الخاصة...تتضمن هذه المهارات إصدار حُكم مُتطرف سريعاً، بناءً على حدث مُفرد..يعقبه تعميم على نطاق واسع،  يليه خيبةٌ أمل عظيمة...و تستمر الحياة. 
قطع تلك الوقفة صوت (سواح) خلفي،  يلبس ملابس خضراءٌ غامقة، و يضع حول رأسه ثوب هزاز قديم كان لوالدته لفه بمهارة، حاملاً في يديه (سعفةُ) نخلة...
(الحــــب مرض... ما تحبوا،  الحب مرض ما تحبوا... إنتي بالذات ما تحبي... قالوا السُمَان حسااااسين) 
- الله يقطع يومك ياخ.. قِد من هنا. 

ذهب سواح مكسوراً، رمقتني سلمى بنظرة مُبهمة..
قلت مبررةً : عامل مجنون و عايش الدور 
اجابني مختار : طلعتي بتتكلمي..!!! 

انتهت لحظة الأحلام الوردية،  لسواح تلك القدرة،  اكرهه... احتاج لأن.... اعتذر منه،  سألحقه.  

انتهت الحفلة، بعد أن عدت للجلوس في الصف الأخير،  انتهت ب(عديــلة اوو)، (مع السلامة مع السلامة)  يرد الجميع ب(اوووووو)..يودعهم الفنان ب(إن شاء الله نتلاقى بالسلامة.. الله) 

أرغب في هدوء،  في غرفة استجواب مُحكمة، في ضوء لمبة صفراء يضْربُ في وجه سلمى،  في كوب ورق رخيص فيه من قهوة عم عثمان الكثير... سأستجوبها لساعات سأجمع عنه أكثر مما جمعت أمريكا عن الجماعات المسلحة و المليشيات سـ... أفعل الكثير. 

كُرسي طائر يلوح في الأفق،  يبدأ البعض في الجري، اتفرج على المشهد كأنه في التلفاز،  تسمرت كعادتي مُنفصلةً عن تقدير عواقب جلوسي تلك... شدت والدتي يدي مُغتاظة تُلقي باللعنات على سكارى ناقمين على عبدو،  تباً لمشاهد العنف على التلفاز،  تعودت عليها حتى صرت لا افرق بين مشاهدتها و العيش فيها... جريت خوفاً لحظة استفاقتي تلك،  شامتة اعترف،  كم خرب عبدو من ذكرياتٍ لكثيرين بسبب مشاجرات مفتعلة في منتصف الحفل؟!  17 مرة حضرت انا منها 11 مشاجرة، ووصلني سمعاً بقية المرات،  عبر الهاتف من عائلتي او من (سلوى) بالتأكيد...نعم لدي سِجِلات كهذه..

هرولت لمنزل خالتي القريب من منزلنا بعد ان وصلت و عائلتي لبر الأمان، التصقت بحائط الفناء،ضحكت حتى شكت والدتي في امكانية تناولي لـمُخدر ما،  ضحكت حد الهستيريا،  و من دون أن اشعر رأيت سلمى امامي تحمل طفلها،  تضحك معي حيناً و تجامل والدتي بنظراتٍ جادة أحياناً...(معليش ماما،  انااااا مااا زعلانة ليهو... ده خارب حفلات الأمة كلها.. كويس إنها بقت في نهاية الحفلة.. احترموهو زاااتهم) 
- ما صح منك الكلام ده 
تعقبها والدتي بعشر جُمل بالنوبية.. اقرر الصمت
أعود للضحك مرة أخرى،  هذه حالة لا حول لي فيها و لا قوة،  اسأل، و يخونني السؤال: 
انتو (مختار ما معقول... ده منو؟)

السبت، 21 يناير، 2017

جرعة صيانة (3)


مر شهر، و دخلت في حياتي مُنْغصات عدة، علي أن أنسى أشعة الحب، لأُجَابِهَ إشعاعات الكراهية التي تنبعث من عيني عمتي، و التي كانت تُجَهْزني طوال الوقت و منذ زمن قديم لأكون لها زوجة إبن،و الذي لولا  خوفي من الله، لحَلَفتُ بأن كلمة (فاشل) مكتوبة على جبينه بقلم (فسفوري).

منذ عودتي من الجامعة قبل سنوات، كانت تلح على والدي بضرورة أن تتم خطوبتي على غزالها، و كان والدي يتعذر بأنه يرغب في أن اتم دراستي بتركيز تام، فهو لا يزال نادم على موافقته على زواج (نهى) أختي، أثناء دراستها الجامعية،لتتعثر بسبب تَبِعات الزواج من حَمْل و مسؤولية، كان النقاش مُزعجاً و غالباً ما ينتهي بخروج عمتي من منزلنا غاضبةً. 

قبل اسبوعين فاتحني وحيدها (عبدو)  بموضوع (زواجنا)، في أكثر الأوقات خطأ في حياتي، في  صباح يوم الجمعة.. عند استيقاظي من النوم... من يفُاتِح أحد بموضوع كهذا في يوم مثل هذا؟.. حقيقةً كانت لتبدو كل الأوقات خاطئة و كل الأيام لا تَصلح لهذا الأمر.. مع شخص مثل هذا! 

لا أظلمه، فهذا شخصُ تتمثل إنجازاته الحياتية في (ختَم لعبة سوبر ماريو سبعة مرات في جلسة واحدة)، شخص ما أن تسمع صوت أطفال يبكون بصوت عالٍ في الشارع فجأة من دون مقدمات حتى تُدرك مروره في مكان الصوت، بل اكاد أجزم أن الديكة تكف عن الصياح عندما تراه.. أو ترى شياطينه على أحسن الفروض. 

اتذكر أن جدتي-رحمها الله- ربته، أقصد فطنت لموهبته الفطرية منذ صغره،في أن يكون سبباً لمشكلة أو جزءاً من صورة عامة لإحداها،  ففي الخارج كل الطرق تؤدي لروما،بينما هنا كل المشاكل تقود لعبدو او يقودها هو.. أمير الحرب و الظلام. 
نعود لجدتي(أم أبي)، التي و لتريح رأسها من حفيدها، طلبت من خالي عمر في ماضٍ ما ، والذي كان مُغترباً، بأن يُرسل لعبة هدية لـ(عبدو) بمناسبة نجاحه في سنة رابعة-بعد ان نجح بشق الأنفس بعد فشلٍ في ثلاث مرات-فأرسل له أحد إصدارات (سيقا) مع جميع ملحقات الجهاز الذي كان صرعة عظيمة في منطقتنا، مع أقراص للعبة تتضمن سونيك و سوبر ماريو و لعبة فنون قتالية... تخلصت منها جدتي لحظة استلامها للكرتونة عندما رأت صور المقاتلين على إحدى الأقراص، بعد ان انتظرت خروج المُسَلِمْ، تلفتت يساراً و يميناً، رأتني أقف أراقبها... إبتسمت لي بهدوء، كسرت الأسطوانة، وضعتها تحت مخدتها في الراكوبة، رقدت عليها كأن شيئاً لم يكن..وضعت أصبعها على فمها هامسةً لي بـ(هُس)، و أغمضت عينيها غارقةً في النوم،  أتذكر هذا الموقف كأنه حدث بالأمس...

ارتاحت تلك الاجازة كثيراً،فجميع طاقات المشاجرة التي امتلكها، تحولت لتركيز في قفزة لسوبر ماريو او طاقة جري...نسيت أن اذكر، كثرة القفزات في اللعبة تحولت لقفزات في الواقع بمرور السنين،ليست كتلك التي وصل بسببها الإنسان للقمر،  بل كتلك التي تشمل تحوله لكازانوفا، عشرات القصص الغرامية خلال أعوامه الـ(31)،فهو يقفز من غراميات مع هذه إلى أخرى مع تلك، بل و عشرات الوظائف المختلفة أيضاً، بَنَاء أحياناً، سائق أحايين أخرى، و بائع مرة ثالثة،  و سمسار في الزريبة تارةً، ثم مساعد ميكانيكي تارة عاشرة... و تطول القائمة،  لتذيلها عمله كـ(مزارع) في أملاك العائلة. 

كان رد فعل عمتي قوياً -حسب معرفتي بها- حين أخبرها بأنني (مرتبطة) بل و في حكم المخطوبة، فهاهنا لا تُطبق قوانين الديناميكا ،فـ(رد الفعل) هنا لا يساوي الفعل،  بل يفوقه بمراحل.
و تفصيلاً للواقعة، و تفسيراً لقصة (خطوبتي المزعومة) و ما أدت إليه لاحقاً.. جاء (خاطب ودي) كنت قد استيقظت للتو، لم يحاول اللف و الدوران، وضعها هكذا (بالنسبة لموضوع العرس..قلتي شنو؟)، تفاجأت فالإنتقال من أرض الأحلام (حرفياً) لهذا الكابوس من دون المرور بحالة وسطية.. يبدو غير مناسباً، أخبرته بأقرب كلمة خطرت لي( أنا مرتبطة)، هذه الكلمة التي استعنت بها عدة مرات، انقذتني من احراجات محتمة و خسرت بها صداقات عدة،أخبرني عبدو بغضب بأنه كان يشعر بأنني قد تغيرت، حتى طريقة لبسي و تصرفاتي و ضحكتي... لم اتغير،  كبرت أنا و هو ظل كما هو،  ملابسه تَكْبُر، يزداد طوله... يقف عقله في نفس النقطة. 
فجأة دخل أخي، في زيارته التفقدية المعتادة لوالديّ يوم الجمعة و حسم الأمر، أخبره بأنه قد سمع ما قلته و أن عليه أن يتقبل و يحترم كلمتي،  فأنا في حكم المخطوبة، فقد تقدم لي أحد زملائي في الجامعة قبل فترة... و أعطاه كلمة بأن ينتظر حتى لحظة لقاء الشاب بوالدي ليحسم الأمر.

انتهى عبدو مُغْتاظاً أكثر مما كان مني، خرج غاضباً،صفق الباب خلفه بقوة،  تنفست الُصعداء، ضحك عصام كاسراً جو التوتر ذلك..ثم عاد للوجوم، موجهاً نظرته نحوي(قلتي لي مرتبطة؟!) ، اتسعت عيناي اجبته ايجاباً (بنفس الشخص الذي تقدم لك من زملائي)..ضحك، ظهرت والدتي عاتبةً، لم تقل شيئاً، صَبَحْت على عصام ببرود ثم اتجهت للمطبخ، فاليوم جمعة و الحصة (قراصة) بالدوكة و (دمعة) و جَمْعة أهل... ستتغيب عنها بالتأكيد عمتي و أبنها و بناتها الاثنتين..و بعضُ أمي و مزاحها، فهذه المواجهة كانت بالنسبة لها ايذانٌ بحرب جديدة،لا تُخَلِف قتلى و جرحى إنما شِقاق،فهؤلاء ملكوك حربٍ و نحن دُعاة سلام..

مر اليوم بخير نسبياً، فعمتي خيبت ظني و حضرت،  و ليتها لم تفعل،  باركت لي ببرود و أعلنت لمن لا يعلم من عائلتي بخطوبتي، تعشق هذه المرأة قراءة وجوه الناس بعد أن تخبرهم بأمر ما، و ما بين عاتب و مُبارِكٍ و سائل في التفاصيل.. قضيت الغداء احاول تأليف قصة مُملة ذات تفاصيل مُبهمة علها تُنسى سريعاً، إلا أن التفاصيل هنا لا تُنسى... يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل.. 
ثم و للمفاجأة، أعلنت أنها قد خَطَبت لإبنها ابنة المرحوم عثمان (رحمه الله) و قد كان تاجراً بمدينة عطبرة زمناً قبل أن تسوقه الحياة ليعود لحلفا الجديدة-مسقط رأسه- بعد وفاة زوجته (فاطمة)، فرغب بأن تتولى عائلته شأن البنات و توأم في الثانية عشر، ترك تجارته لإبنه الأكبر وانتقل إلى هنا، و بعد عامين وافته المنية. 

كيف قبلت (نمارق)  به،  و كيف تمت الخطوبة بهذه السرعة.. لا ادري،  و لا ارغب في ذلك.. يكفيني فرحاً بأن ادرك بأن هذه الغيمة.. تمُرْ.

هكذا اذن حُدد الزواج بعد شهر واحد فقط، و بدأ الجو العام لفرحِ في العائلة يلوح في أفقي، كان علي من أجل أن أثبت أنني سعيدة ومن اجل ترميم الصدع، أن اقوم بزيارات يومية، اسأل بشغف عن تفاصيل لم تكن لتهمني حتى لو كان زواجي،  أضحك لأشياء من الصعب أن تحرك أهداب الضحك عندي في الحالة الطبيعية، ورغم هذا فرضـا عمتي غايَةٌ لا تدرك، ولا اسعى له..كل هذا من اجل والدي و جو صحي عام! 

الا تُنْسي كل هذه التفاصيل الكثيرة المعاني المقررة للأشياء؟! عُمال لترميم الغُرف، آخرون للسباكة، اوانٍ جديدة تُشْتَرى، مفارش جديدة، شراشف جديدة، ستائر جديدة، ملابس جديدة للبنات لحفلات العرس العديدة، شراء بهارات، سحن البهارات...و هكذا،  كل شيء يُجدد و يبقى عبدو كما هو...

يتوافد الأهل من كل مكان، تقام حِنة العريس الأولى بإصرار عماته،يصر على عدم وضع الحناء على قدميه،  يقنعه أصدقائه... لـ(عبدو) أصدقاء؟ ..تغني بنات العائلة.. الإضاءة في الفَناء سيئة، يستعينون بأضواء الهواتف، توزع التسالي و (الفول السوداني)، القونقليز، الفواكه التي احضرتها خالتي ليلى من مدينة (كسلا)،  لا ادري ما السر في أن تُحضر الفواكه من هناك مسافة ساعتين، و هي هنا متوفرة بنفس الجودة و نفس الأسعار... بل بأسعار أقل أحياناً. 
ثم أخيراً، اليوم المُنتظر، زواج (عبدالعظيم) بعد شهر من التجهيزات، لا ادري خلاله كم مرة قطعت المسافة من منزلنا إلى منزلهم الذي يبعد عنا مسافة 7 دقائق، و كَم و عشرون عاماً لم ادري خلالها بأن اسمه عبدالعظيم!
  
الدعوة فطور، يزدحم البيت، يمتليء بأهلنا من كل مكان و أصدقاء العائلة و آخرون لا أعرفهم ،رُكبت الصيوانات، حضرت (سلمى) أختي الكبرى من (دُنْقُلا) و التي ما ان دخلت المنزل حتى أُطلقت الزغاريد.. دخلت ترقص حاملة مولودها ذا الستة أشهر، تُجْمِع العائلة على حبها و أعشقها أنا... فلسلمى تأثيرها، و رغم لسانها الطويل فهي مُبلسمة جروح قل مثلها، سلمى هي مفتاح والدتي،  فمهما استعصت الأمور يكفي منها اتصال لتضع الأمور في نصابها، هي واسطتي إذن.. بل واسطة البيت كله عندما يتعلق الأمر بوالدتي... و اليوم سأرتاح أنا،  ستملء هي كل الفراغات، سترقص عني، سترد عني، ستدخل في أعين من لا يعجبها.. هكذا هي..مريحُ حضورها . 
انتهى الفطور، شُرب الشاي، جُمعت الأواني للغسيل، تفرق بعض الضيوف و بقي آخرون للحفلة... 

بدأت الحفلة، لبست فستاناً باللون الأسود فيه دوائر ذهبية، انزلت خصلتين من شعري، وضعت طرحة شيفون و كنت جاهزة.. لحظات هي و بدأ الفنان بالغناء،  حضر العرسان، سلمتني (سلمى) صغيرها و ذهبت للمنتصف...يتحرك المصور برتابة، يُصور جميلةٍ ما،  ثم يمر فوقي مرور الكرام لجميلةٍ أخرى... ما بال هؤلاء يقرأون من نفس الكتاب؟  لاحظت سلمى اهتمامه بالجميلات، تركت الحفلة و حضرت للتوبيخ، نقرت بإصبعها على كتفه، ارتبك الرجل للحظة، التفت.. اشرت له علي(شُفت اللابسة الأسود بالذهبي دي؟ دي اهم من العرسان زاتم،الفيديو ده ماشيين نحضرو نحن...السمحات البتصور فيهن ديل مافي زول بِعْرِفِن، صور ناسنا) و بدأت تؤشر على (ناسنا)..من تُكن لهم الود و...نفذ المصور الأوامر، استلمت رضيعها و بدأ بتصويري...رفعت رأسي للحظة ملتفتةً لليسار...توقفت عن التنفس، فغرت فاهي....صمت الضجيج، و كان هو...بشحمه و لحمه ينظر في اتجاهي...او اتجاه من يجلس في جهتنا..من الصعب الجزم...
عُدت للواقع...في اللحظة التي صدح فيها الفنان بـالنوبية:- 
نِلِسِي نِلِسِي نِلسي نِلسي...أِلِسي أِلسي أِلِسِي أِلِسِي***1

أكملت دون أن أشعر:- 
وو دَلِكْو وو مونكو...أوكِرن أوكرن آي دلوسي***2

لم تكمل لحظة السعادة تلك، قطعتها صرخة إحدى دُمى الباربي بجانبي صارخة: (مُخْتــــار!!!  ما معقول)...

يا الله، غير المعقولة أنتِ، كيف لي أن انافس هذه؟  ثم اسمه مُختار... لم اتخيل هذا أيضاً...ها هو مُتقدماً نحونا و....هاتفي، يرن؟  لأ... علي أن انشغل به..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1: رأيته، رأيته، رأيته... وجدته،  وجدته وجدته! 
2: يا من تحبونني و يا من لا تطيقونني أسمعوا أسمعوا.. انا أحببت. 

الثلاثاء، 17 يناير، 2017

جرعة صيانة (2).

                     "علاج الملل هو الفضول،أما الفضول فلا                                    علاج له" 
                                                    دورثي بـاركر. 

أيام مضت على لقاء خلف في عقلي نثارة سحرية بألوان متعددة، شَغلت حيز الملل في قلب خاوٍ، ايام متُشابهة في الظاهر و في القلب ترقُب و..جُبن، فمحاولات وضع الأقدام على الأرض بعد التحليق لمسافة، مهمة شاقة. 

اعتدت الملل و الفراغ بكل ضُروبِهما، رغم أن في حياتي (سلوى)، جارتي،  و رغم أن السائد بأن للمرء من اسمه نصيب.. إلّا أنها تحيرني..فلا أعلم هي (سلوى) لمن!

فسلوى هذه هي (قناة) قريتنا،القرية التي تبعد عن المدينة التي بها الصيدلية التي اعمل فيها مسافة نصف ساعة. فما يحدث في أي ركن أو بجانب أي دكان او تحت اي شجرة أو في اي فَسَحة.. تعرفه،  لا أدري كيف،  و الأَمَرْ لا أدري لِما. 
او ربما أدري إلا أن لعقلي طريقته في نكران وجود مخلوقات مثلها.

ظننتُ في وقت ما بأن لسلوى (جماعة)*، فدقة المعلومات عندها تحيرك،  ولا يهم في أي بقعة هي في الكرة الأرضية، حتى تصلها أخبارك، و تخبرك هي بسماعها لها. 

اذكر أنني في الخريف الماضي و تحديداً في يوم إثنين، تخلفت عن الذهاب للعمل بسبب المطر الشديد، لاتفاجأ بإتصال من أختي التي تسكن في مدينة (القضارف) تستجوبني بشأن مُلابسات طيران (راكوبة) بيتنا الخارجية بسبب الهواء المصاحب للمطر و هو ما لم يكن يعرفه أيُ منا نحن القابعون في المنزل... و عرفته سلوى التي كانت في إجازة بالعاصمة التي تبعد عنا مسافة 7 ساعات!!!  

توقفتُ قبل فترة من الزمن عن محاولات فهم السلوك البشري، بالرغم من إمكانياتي العظيمة في التنبوء بتصرفاتهم... و التي كسبتها في معظم الوقت من معرفتي المُسْبَقة بهم...ليس كأنني أمتلك ذكاءً أو ما شابه،  فمعظم نتائج إختبارات الذكاء التي خضتها على الإنترنت كانت نتيجتها(ذكاء متوسط)، لا يزعجني الأمر بتاتاً..فأنا متوسطة جمال،متوسطة أناقة،  متوسطة...كل ما اعرفه عني بالتقريب.

وقفت أمام منزلنا بعد يوم عمل آخر و أيام من ذلك اللقاء القصير، خائرة القوى أبحث-رغم التعب-بسرعة عن المفتاح في حقيبتي، سَلم علي (سيد اللبن)  عند طرف الشارع،  فاجبرني على الرد بصوت مرتفع لبعد مسافتي عنه، فحدث ما كنت أخشاه، و ابتهل لكي لا يحدث، فما هي إلا 30 ثانية بالضبط حتى ...فُتِحت كوة الجحيم،  ها هي نصف ساعة من عمري ستذهب هباءً، بخطى متلاحقة قدمت سلوى... لتقديم الموجز كاملاً،  من خُطبت من الفتيات و من تشاجر مع زوجته و ارتفعت اصواتهما... و حتى حمار من وطأ الشارع و اتخذ من جانب بيتها مُراحاً بعد أن أصابه الجرب..و تخلى عنه أصحابه. 

أخبرتني بقدوم خالها(مهدي) و زوجته و ابناءه لزيارتها في الأيام القادمة، بعد أن أخبرتني بجميع العناوين الرئيسة عن تاريخهم الحافل.. حين تذكرت -هي- بعد نصف ساعة من الحديث المطول بأنني مًُرهقة و أن عليها أن تدعني ارتاح بعد يوم عملي المرهق هذا و الذي تعكسه "حجم المسامات في وجهي و سواد ما تحت عيني" حسب قولها، مع وعد باللقاء بعد المغرب، نظرت لساعة هاتفي.. دثرني الهم.. بعد المغرب، أي بعد ساعة فقط... يا إلهي أحتاج لحبتين من البندول!  

كثيراً ما عبرت أمي عن قلقها من تناولي الكثير للبندول في الفترة الماضية.. ما لم تدركه والدتي أن زيادة تناولي له هي رد فعل طبيعي على أثر سلوى علي و صحتي العامة.  
و ما لا تدركه و الدتي بأنني نويت في حالة أصابتي ب(تنخر كبدي) -لا قدر الله- بأن أُقاضي سلوى و سأدفعها تكاليف علاجي و.... سأوقف تناول البندول..ساحاول على الأقل. 


مشاعر رتيبة، تتخللها نوبات من سعادة قصيرة،هذه هي حالي بعد لقائي به..
حتى عندما يطرأ في حياتي جديد.. يتحول بي لروتين ممل، أفكر كل يوم في نفس الأشياء (الجديدة)، أضع نفس الإحتمالات(الجديدة)،اترقب بنفس الطريقة حتى يأخذ الملل مني مأخذه فيصبح ما كان بالأمس جديداً..اليوم روتيناً.فأظل ادور في نفس الحلقة! 
كل البشر هكذا..ام انا فقط؟! 
.كل ما يدور في فلكي أُلبسه مللاً..هذه هي مَلَكَتي الخاصة. 

حين طرحتُ ظهري على سريري اليوم، تذكرت للحظات سلوى... ماذا لو كان أحد أبناء خالها (مهدي)  هو... واهبي ابتساماتي؟!  

طردت الفكرة من رأسي، مع الإبقاء على الحد الأدنى من تفاؤل يضمنه لي دستوري الخاص... 

ربما بعد كل شيء.. متوسطة في كل شيء إلا.. الخيال!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جماعة**: أي من الجـِن. 


الأحد، 15 يناير، 2017

جرعة صيانة (1)

تجري الأيام بسرعة، مؤمنة أنا بأن عدد ساعات اليوم ...اليوم، أقل منها قبل عشرون عاماً ربما.. و لكن ما أدراني أنا! 
نظرت حولي فجأة لأستدرك أنني قضيت في هذا المكان أربعة أعوام... يا إلهي، فاجأني أحدهم اليوم في الصيدلية بقوله أنه زارني و أخذ (تركيبة) لحساسية المت به و تعاونت مع زوجته عليه لتفقده سكينة النوم و اعقب حديثه بالقول أن(التركيبة) (نفعت)، و كان من المفترض أن يعود ليقابلني حسب طلبي (قبل عامين).. إلا أنه اعتذر بإنشغاله حينها..و طلب مُسكناً لألم ظهر لزوجته و خرج.
صدقني... لم أكن لأتذكر هذا، أعاني من ذاكرة انتقائية، تختار و تصطفي ما يحلو لها لتحجز له فيها مقعد... و لكني تفاجأت،  عامين؟! خرج الرجل دون أن أشاركه خواطري، غير أنني فكرت أن ابحث عن نفسي في مرآة، لا أدري لماذا،أخرجت مرآتي من حقيبة يدي.. تمعنت في وجهي،  هذه هي... تجعيدة صغيرة بجانب فمي...غريبة هذه الحياة، ادفع ثمن(لطافتي) و كثرة ابتساماتي ب(تجعيدة)..لا يهم مجرد خط زمني آخر، اليوم هذه و غداً (شيبة) و بعدها..احتاج لمقشر يَلْطفُ ببشرتي،لِمُرطِبْ، لواقٍ شمسي، لــ...إلهي،  لراحة بالٍ!
انزلت مرآتي إلى داخل حقيبتي، رفعت رأسي بإطمئنان.. تفاجأت به، مبتسماً إبتسامة تليق بعدو شامت..أحسست بأنه سمع افكاري، بأن نظره يخترقني، بأنني أود أن... أغلق نوافذ روحي التي يطل بي عليها... بأنني.. احتاج لأتنفس..
= (أخدي نفس.. ما تقومي تقعي).
جررت نَفَسِي بهدوء نزولاً عند طلبه،و طلب عقلي للهواء،  جمعت أطراف مشاعري.. سألت نفسي(إنسُ ام جان في صورة ملاك؟!)
=(داير رانسيد (300).. عندكم؟!)
- ناولته صامتة، غريبة حروف اللغة..تخذلني كثيراً..أعرف أشخاص مثلها، يعاملونني بهذا الجفاء.
مد لي قيمة العلاج صامتاً، وضعته في الدرج.. ثم أنصرف، بكل هدوء كما أتى، لا يُسمع له وقع أقدام.. خرجت من(الكاونتر) للجهة الأخرى، كالمنومة مغناطيسياً، كنت أقف هناك لأتاكد..(هل هو من أصحاب الظل؟)**
ماذا دهاني.. لا أدري،  بل أوقن بأن حياتي بعد هذا اليوم لن تعود كما كانت.
نسيت أن اذكر بأنني أملك قدرات على تهويل الأمور في عقلي بشكل مبالغ فيه، فكما خط الزمن على وجه ال26 عاماً هذا التجعيدة.. أوقن بأن (دراما) ما حضرتها في زمن قاصٍ قد آتت أًُكلها...فحولتني لــ...هذه الشخصية.
يتجه إلى سيارة، فجأة توقف..وضع يده على جيبه، اكمل تفتيش جيوبه، استدار ناحيتي.. لا أدري متى وجدت نفسي خلف الكاونتر من جديد.. شكراً قدمي.. خذلني لساني و حروفي قبل لحظات و... انقذتني أقدامي، هل رآني؟! يا إلهي..ما بالي اليوم اتصرف بغرابة؟! سألوم قهوة (عم عثمان) الصباحية،  فقد كانت عكرة..
عاد بخفة،  كنت قد أعطيته ظهري إدعاءاً بأنشغالي...فاجأني بكلمة (المفتاح)..أخذ شيئاً من زجاج الكاونتر و... خرج.
مارست هوايتي المفضلة أمامه (الصمت)..و لكن ماذا كان بإمكاني أن أقول، كُنتُ لأصنف أي كلام يصدر مني بأنه...(حماقة).
قاطعت روشتة مرمى نظري، استيقظتُ، مفعول الروشتات على عقلي مذهل، يفوق أثر الكافيين في صباحاتي التَعِبة، استجمعت عقلي، ركزت.. تلقائياً امتدت يدي بتحضير المطلوب..انتهت توجيهات طريقة إستخدام الدواء.. خرج مرافق المريض.. فعدت لطريقي قبل دقائق.. من كان ذلك؟!