السبت، 21 يناير، 2017

جرعة صيانة (3)


مر شهر، و دخلت في حياتي مُنْغصات عدة، علي أن أنسى أشعة الحب، لأُجَابِهَ إشعاعات الكراهية التي تنبعث من عيني عمتي، و التي كانت تُجَهْزني طوال الوقت و منذ زمن قديم لأكون لها زوجة إبن،و الذي لولا  خوفي من الله، لحَلَفتُ بأن كلمة (فاشل) مكتوبة على جبينه بقلم (فسفوري).

منذ عودتي من الجامعة قبل سنوات، كانت تلح على والدي بضرورة أن تتم خطوبتي على غزالها، و كان والدي يتعذر بأنه يرغب في أن اتم دراستي بتركيز تام، فهو لا يزال نادم على موافقته على زواج (نهى) أختي، أثناء دراستها الجامعية،لتتعثر بسبب تَبِعات الزواج من حَمْل و مسؤولية، كان النقاش مُزعجاً و غالباً ما ينتهي بخروج عمتي من منزلنا غاضبةً. 

قبل اسبوعين فاتحني وحيدها (عبدو)  بموضوع (زواجنا)، في أكثر الأوقات خطأ في حياتي، في  صباح يوم الجمعة.. عند استيقاظي من النوم... من يفُاتِح أحد بموضوع كهذا في يوم مثل هذا؟.. حقيقةً كانت لتبدو كل الأوقات خاطئة و كل الأيام لا تَصلح لهذا الأمر.. مع شخص مثل هذا! 

لا أظلمه، فهذا شخصُ تتمثل إنجازاته الحياتية في (ختَم لعبة سوبر ماريو سبعة مرات في جلسة واحدة)، شخص ما أن تسمع صوت أطفال يبكون بصوت عالٍ في الشارع فجأة من دون مقدمات حتى تُدرك مروره في مكان الصوت، بل اكاد أجزم أن الديكة تكف عن الصياح عندما تراه.. أو ترى شياطينه على أحسن الفروض. 

اتذكر أن جدتي-رحمها الله- ربته، أقصد فطنت لموهبته الفطرية منذ صغره،في أن يكون سبباً لمشكلة أو جزءاً من صورة عامة لإحداها،  ففي الخارج كل الطرق تؤدي لروما،بينما هنا كل المشاكل تقود لعبدو او يقودها هو.. أمير الحرب و الظلام. 
نعود لجدتي(أم أبي)، التي و لتريح رأسها من حفيدها، طلبت من خالي عمر في ماضٍ ما ، والذي كان مُغترباً، بأن يُرسل لعبة هدية لـ(عبدو) بمناسبة نجاحه في سنة رابعة-بعد ان نجح بشق الأنفس بعد فشلٍ في ثلاث مرات-فأرسل له أحد إصدارات (سيقا) مع جميع ملحقات الجهاز الذي كان صرعة عظيمة في منطقتنا، مع أقراص للعبة تتضمن سونيك و سوبر ماريو و لعبة فنون قتالية... تخلصت منها جدتي لحظة استلامها للكرتونة عندما رأت صور المقاتلين على إحدى الأقراص، بعد ان انتظرت خروج المُسَلِمْ، تلفتت يساراً و يميناً، رأتني أقف أراقبها... إبتسمت لي بهدوء، كسرت الأسطوانة، وضعتها تحت مخدتها في الراكوبة، رقدت عليها كأن شيئاً لم يكن..وضعت أصبعها على فمها هامسةً لي بـ(هُس)، و أغمضت عينيها غارقةً في النوم،  أتذكر هذا الموقف كأنه حدث بالأمس...

ارتاحت تلك الاجازة كثيراً،فجميع طاقات المشاجرة التي امتلكها، تحولت لتركيز في قفزة لسوبر ماريو او طاقة جري...نسيت أن اذكر، كثرة القفزات في اللعبة تحولت لقفزات في الواقع بمرور السنين،ليست كتلك التي وصل بسببها الإنسان للقمر،  بل كتلك التي تشمل تحوله لكازانوفا، عشرات القصص الغرامية خلال أعوامه الـ(31)،فهو يقفز من غراميات مع هذه إلى أخرى مع تلك، بل و عشرات الوظائف المختلفة أيضاً، بَنَاء أحياناً، سائق أحايين أخرى، و بائع مرة ثالثة،  و سمسار في الزريبة تارةً، ثم مساعد ميكانيكي تارة عاشرة... و تطول القائمة،  لتذيلها عمله كـ(مزارع) في أملاك العائلة. 

كان رد فعل عمتي قوياً -حسب معرفتي بها- حين أخبرها بأنني (مرتبطة) بل و في حكم المخطوبة، فهاهنا لا تُطبق قوانين الديناميكا ،فـ(رد الفعل) هنا لا يساوي الفعل،  بل يفوقه بمراحل.
و تفصيلاً للواقعة، و تفسيراً لقصة (خطوبتي المزعومة) و ما أدت إليه لاحقاً.. جاء (خاطب ودي) كنت قد استيقظت للتو، لم يحاول اللف و الدوران، وضعها هكذا (بالنسبة لموضوع العرس..قلتي شنو؟)، تفاجأت فالإنتقال من أرض الأحلام (حرفياً) لهذا الكابوس من دون المرور بحالة وسطية.. يبدو غير مناسباً، أخبرته بأقرب كلمة خطرت لي( أنا مرتبطة)، هذه الكلمة التي استعنت بها عدة مرات، انقذتني من احراجات محتمة و خسرت بها صداقات عدة،أخبرني عبدو بغضب بأنه كان يشعر بأنني قد تغيرت، حتى طريقة لبسي و تصرفاتي و ضحكتي... لم اتغير،  كبرت أنا و هو ظل كما هو،  ملابسه تَكْبُر، يزداد طوله... يقف عقله في نفس النقطة. 
فجأة دخل أخي، في زيارته التفقدية المعتادة لوالديّ يوم الجمعة و حسم الأمر، أخبره بأنه قد سمع ما قلته و أن عليه أن يتقبل و يحترم كلمتي،  فأنا في حكم المخطوبة، فقد تقدم لي أحد زملائي في الجامعة قبل فترة... و أعطاه كلمة بأن ينتظر حتى لحظة لقاء الشاب بوالدي ليحسم الأمر.

انتهى عبدو مُغْتاظاً أكثر مما كان مني، خرج غاضباً،صفق الباب خلفه بقوة،  تنفست الُصعداء، ضحك عصام كاسراً جو التوتر ذلك..ثم عاد للوجوم، موجهاً نظرته نحوي(قلتي لي مرتبطة؟!) ، اتسعت عيناي اجبته ايجاباً (بنفس الشخص الذي تقدم لك من زملائي)..ضحك، ظهرت والدتي عاتبةً، لم تقل شيئاً، صَبَحْت على عصام ببرود ثم اتجهت للمطبخ، فاليوم جمعة و الحصة (قراصة) بالدوكة و (دمعة) و جَمْعة أهل... ستتغيب عنها بالتأكيد عمتي و أبنها و بناتها الاثنتين..و بعضُ أمي و مزاحها، فهذه المواجهة كانت بالنسبة لها ايذانٌ بحرب جديدة،لا تُخَلِف قتلى و جرحى إنما شِقاق،فهؤلاء ملكوك حربٍ و نحن دُعاة سلام..

مر اليوم بخير نسبياً، فعمتي خيبت ظني و حضرت،  و ليتها لم تفعل،  باركت لي ببرود و أعلنت لمن لا يعلم من عائلتي بخطوبتي، تعشق هذه المرأة قراءة وجوه الناس بعد أن تخبرهم بأمر ما، و ما بين عاتب و مُبارِكٍ و سائل في التفاصيل.. قضيت الغداء احاول تأليف قصة مُملة ذات تفاصيل مُبهمة علها تُنسى سريعاً، إلا أن التفاصيل هنا لا تُنسى... يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل.. 
ثم و للمفاجأة، أعلنت أنها قد خَطَبت لإبنها ابنة المرحوم عثمان (رحمه الله) و قد كان تاجراً بمدينة عطبرة زمناً قبل أن تسوقه الحياة ليعود لحلفا الجديدة-مسقط رأسه- بعد وفاة زوجته (فاطمة)، فرغب بأن تتولى عائلته شأن البنات و توأم في الثانية عشر، ترك تجارته لإبنه الأكبر وانتقل إلى هنا، و بعد عامين وافته المنية. 

كيف قبلت (نمارق)  به،  و كيف تمت الخطوبة بهذه السرعة.. لا ادري،  و لا ارغب في ذلك.. يكفيني فرحاً بأن ادرك بأن هذه الغيمة.. تمُرْ.

هكذا اذن حُدد الزواج بعد شهر واحد فقط، و بدأ الجو العام لفرحِ في العائلة يلوح في أفقي، كان علي من أجل أن أثبت أنني سعيدة ومن اجل ترميم الصدع، أن اقوم بزيارات يومية، اسأل بشغف عن تفاصيل لم تكن لتهمني حتى لو كان زواجي،  أضحك لأشياء من الصعب أن تحرك أهداب الضحك عندي في الحالة الطبيعية، ورغم هذا فرضـا عمتي غايَةٌ لا تدرك، ولا اسعى له..كل هذا من اجل والدي و جو صحي عام! 

الا تُنْسي كل هذه التفاصيل الكثيرة المعاني المقررة للأشياء؟! عُمال لترميم الغُرف، آخرون للسباكة، اوانٍ جديدة تُشْتَرى، مفارش جديدة، شراشف جديدة، ستائر جديدة، ملابس جديدة للبنات لحفلات العرس العديدة، شراء بهارات، سحن البهارات...و هكذا،  كل شيء يُجدد و يبقى عبدو كما هو...

يتوافد الأهل من كل مكان، تقام حِنة العريس الأولى بإصرار عماته،يصر على عدم وضع الحناء على قدميه،  يقنعه أصدقائه... لـ(عبدو) أصدقاء؟ ..تغني بنات العائلة.. الإضاءة في الفَناء سيئة، يستعينون بأضواء الهواتف، توزع التسالي و (الفول السوداني)، القونقليز، الفواكه التي احضرتها خالتي ليلى من مدينة (كسلا)،  لا ادري ما السر في أن تُحضر الفواكه من هناك مسافة ساعتين، و هي هنا متوفرة بنفس الجودة و نفس الأسعار... بل بأسعار أقل أحياناً. 
ثم أخيراً، اليوم المُنتظر، زواج (عبدالعظيم) بعد شهر من التجهيزات، لا ادري خلاله كم مرة قطعت المسافة من منزلنا إلى منزلهم الذي يبعد عنا مسافة 7 دقائق، و كَم و عشرون عاماً لم ادري خلالها بأن اسمه عبدالعظيم!
  
الدعوة فطور، يزدحم البيت، يمتليء بأهلنا من كل مكان و أصدقاء العائلة و آخرون لا أعرفهم ،رُكبت الصيوانات، حضرت (سلمى) أختي الكبرى من (دُنْقُلا) و التي ما ان دخلت المنزل حتى أُطلقت الزغاريد.. دخلت ترقص حاملة مولودها ذا الستة أشهر، تُجْمِع العائلة على حبها و أعشقها أنا... فلسلمى تأثيرها، و رغم لسانها الطويل فهي مُبلسمة جروح قل مثلها، سلمى هي مفتاح والدتي،  فمهما استعصت الأمور يكفي منها اتصال لتضع الأمور في نصابها، هي واسطتي إذن.. بل واسطة البيت كله عندما يتعلق الأمر بوالدتي... و اليوم سأرتاح أنا،  ستملء هي كل الفراغات، سترقص عني، سترد عني، ستدخل في أعين من لا يعجبها.. هكذا هي..مريحُ حضورها . 
انتهى الفطور، شُرب الشاي، جُمعت الأواني للغسيل، تفرق بعض الضيوف و بقي آخرون للحفلة... 

بدأت الحفلة، لبست فستاناً باللون الأسود فيه دوائر ذهبية، انزلت خصلتين من شعري، وضعت طرحة شيفون و كنت جاهزة.. لحظات هي و بدأ الفنان بالغناء،  حضر العرسان، سلمتني (سلمى) صغيرها و ذهبت للمنتصف...يتحرك المصور برتابة، يُصور جميلةٍ ما،  ثم يمر فوقي مرور الكرام لجميلةٍ أخرى... ما بال هؤلاء يقرأون من نفس الكتاب؟  لاحظت سلمى اهتمامه بالجميلات، تركت الحفلة و حضرت للتوبيخ، نقرت بإصبعها على كتفه، ارتبك الرجل للحظة، التفت.. اشرت له علي(شُفت اللابسة الأسود بالذهبي دي؟ دي اهم من العرسان زاتم،الفيديو ده ماشيين نحضرو نحن...السمحات البتصور فيهن ديل مافي زول بِعْرِفِن، صور ناسنا) و بدأت تؤشر على (ناسنا)..من تُكن لهم الود و...نفذ المصور الأوامر، استلمت رضيعها و بدأ بتصويري...رفعت رأسي للحظة ملتفتةً لليسار...توقفت عن التنفس، فغرت فاهي....صمت الضجيج، و كان هو...بشحمه و لحمه ينظر في اتجاهي...او اتجاه من يجلس في جهتنا..من الصعب الجزم...
عُدت للواقع...في اللحظة التي صدح فيها الفنان بـالنوبية:- 
نِلِسِي نِلِسِي نِلسي نِلسي...أِلِسي أِلسي أِلِسِي أِلِسِي***1

أكملت دون أن أشعر:- 
وو دَلِكْو وو مونكو...أوكِرن أوكرن آي دلوسي***2

لم تكمل لحظة السعادة تلك، قطعتها صرخة إحدى دُمى الباربي بجانبي صارخة: (مُخْتــــار!!!  ما معقول)...

يا الله، غير المعقولة أنتِ، كيف لي أن انافس هذه؟  ثم اسمه مُختار... لم اتخيل هذا أيضاً...ها هو مُتقدماً نحونا و....هاتفي، يرن؟  لأ... علي أن انشغل به..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1: رأيته، رأيته، رأيته... وجدته،  وجدته وجدته! 
2: يا من تحبونني و يا من لا تطيقونني أسمعوا أسمعوا.. انا أحببت. 

هناك تعليق واحد: