الثلاثاء، 21 فبراير، 2017

جرعة صيانة (8).

قبل دخول المنزل بعد الوداع، أتت العربة(بوكس) التي تقل سلوى و بعض قاطني المنطقة، وضعت قدمها على الأرض و حبها للتطفل لا يزال سابحاً في فضاءات عقلها، حاولت الإسراع، لإقفال الباب قبل قدومها، إلا أنها كنائبات القدر، مُسطرُ وقوعها، تختلف مع النائبات في أنك تدفع بلاء تلك بدعوة صادقة أو صدقة تُريد بها وجه الله.
واضعة أصابعها على الباب، مانعة عملية إغلاقه، طرحت سؤالها:
- ده مختار؟ اختفيتوا فجأة،سألت عنكم قالوا جابكم هو
= أصر علينا
- أصلاً زول مواقف هو، ما بيستاهل هالة ديك والله،  داير واحدة تليق بيهو، هسة الحاصل معاهم شنو؟
= ما عندي فكرة، علاقتي بيهو ما على قدر التفاصيل دي.

كذبة أخرى، سأرافق نوال في مقعد الجحيم، لا زلت أكذب و أتحرى الكذب، كم كذبة على المرء أن يقترف حتى يُكتب عند الله كذاباً؟
أخبرتني سلمى-يوم أحداث الشغب في زواج عبدو- عن تاريخ مختار كاملاً، ابتداءً من علاقته مع عصام التي بدأت منذ زمن الطفولة عندما كان من قاطني القرية، و ما تلاه من رحيلهم لمنطقة مصنع السكر بسبب عمل والده كمهندس زراعي فيه، ثم رحيلهم بعد معاش والده لحلفا المدينة، و رغم هذا فلا يزال مرتبط بمنطقتنا بزراعة أرض زراعية كان والده قد أشتراها أثناء إقامته هنا فضاً لنزاع ورثة بين إخوة، بالإضافة لإمتلاكهم مصنعاً للأجبان في سوق حلفا، و عقارات مُتفرقة، والتي-حسب سلمى- بالنسبة لوالده تأتي في المرتبة الثانية بعد تقوى الله.
لم تخلٌ قصة سلمى من تفاصيل غراميات مختار،  و التي كانت بطلتها دائماً (هالة)، و حسب ما وصلني فهو لا يزال في حالة تواصل من نوع ما معها..

بدأت بسحب الباب قليلاً في وجه سلوى، مع (عزومة مراكبية) بدعوتها للدخول، و هذه دعوة رجوت الله أن لا تُلبى،  و كان لي ذلك، أعتذرت عن الدخول بوجود زوجها الذي يُمثل في حواراتي المُختصرة مع سلوى.. ضمير مُستتر تُقدره هي حيناً و تتجاهله أحياناً.

ظللت تلك الليلة أتقلب ذات اليمين و اليسار، تلاحقني نظرات والدتي و نظرات مختار، كلمات نوال ، قضيت الليل أجترُ كلماتي، استغفر قليلاً... ثم أستعين بـ(يا لطيف) كثيراً حتى أدركني النوم.
حلمت بوالدتي تخبرني بأن هذا جزء من عذاب الدنيا، فكيف بالآخرة؟
استيقظت فزعة، قررت قضاء الليل في الفناء(الحوش)..تمددت،  نظرت للسماء، للنجوم، بعض الشهب، و القمر يمارس معي لعبة، ما أن يلحظ توه نظراتي فيه.. حتى يختبيء خلف سحـابة.
أصبحت غريبة، بين يوم و ليلة.. سأتعوذ ، أُسلم وجهي لله، ماذا يحدث لي؟  أصبحت مُتخمة بالأحاسيس و الأفكار... أين أهرب من عقلي؟
يبدأ قُرآن صلاة الصبح، و سكينة العالم في أوجها، يُفتح نور الصالة، استطيع سماع وقع خطوات والدتي ووالدي، يتسارع وقع الحياة بعد الصلاة،يحل نور الصباح، تبدأ الهموم بالتصاغر، اندم على ليلة قضيتها تفكيراً، ثم أسرع لأعيش نهار جديد..

الاثنين، 20 فبراير، 2017

جرعة صيانة (7)

الصدمة؟ ليست الكلمة التي ستفي مشاعري حقها تعبيراً، تنظر والدتي ناحيتي،  تنتظر اجابة مني، و ربما اعتراف يريحها من تفاصيل سيحاول القادمون انتزاعها كما الظفر من اللحم مني... انا اهلٌ لها، لنوال و للتفاصيل الصغيرة، ملكة الملاحظات و الدقة، سأصنع لنوال قصة، سأضغط على مواطن الألم في عقلها المستدير، أثير غيرتها، حفيظتها، استيائها، أزيد نار كرهها لي جازاً و بنزيناً و زيتاً..فلتفتح ابواب الجحيم السبعة..

يعتمل عقلي بالتفاصيل، سأصنع بطلي،  إذا كان بعض سكان الكوكب يصدق الأفلام الهندية.. فمن أين لي بالفشل؟

= في الجامعة، جاء لي أخته وقت مناقشة بحوثات التخرج، و اتعرف علي... و كلمها هي، و الباقي تاريخ زي ما بيقولوا. 

فقط هكذا، بسلاسة من دون جهد يُذكر، اصلح مختار الذي تناسيت وجوده كما يتناسى طبيب التداخلات الدوائية في وصفة طبية من 5 ادوية.. المرآه.  اصبح ينظر لي بتركيز، كمن يحاول أن يستبين ملامحي، أشعر برغبة في الإعتراف له لا أدري لماذا، و في الإعتذار لوالدتي التي أصبحت في نظرها كاذبة... و لكن تُرجِح كفة نوال.. سأواصل اللعبة. 

= جنسو شنو؟ 
بشري خالِص ليس على غرارك،  لا نشك في نسبه لإبليس، و لا في قرابته من فرعون، و لا في صداقته بأبي لهب.. 

- رباطابي. 
أعجبتني الفكرة كثيراً، اود شخصاً بهذه المواصفات،  شخص يرد عليها دون أن يتلفت للحلقة الملائكية التي تلبسها تاجاً، سيرد عليها بذكاء حتى يجف فمها. 

= و شغال شنو ده؟ 
بطل في قصتي التي أقص تفاصيلها التي أُحيك خيوطها آنياً لكِ.
- مهندس طيران.  
فاجأت نفسي، حواجب والدتي ترتفع بسؤال نوال، و تهبط بإجابتي، تلحقها نظرات جانبية طالبةً استسلامي، ثم نظرات للخارج..
تسألني أين يعمل؟ فأقرر أن أدعي تلقي مكالمة هاتفية،  اضع جوالي في وضع الطيران، افتح ملفات النغمات ثم.. تبدأ نغمتي بالصَدح، أجيبها و انا امسك الهاتف و اقربه من أذني بالقول: في سودانير.

الو.. 
اهلين نادية.. تمام؟ 

ترمقني والدتي بفيضٍ من نظرات، يتوقف مختار فجأة امام بقالة، اتبعه بنظراتي، ينزل من سيارته، لا أدري من أي شقوق الذاكرة تدفق في رأسي بيتٌ شعرٍيٌ، لا أتذكر لمن هو، فقط أحسست أنه يصفه:
(و قال الشمسُ أهدت لي قميصاً،قريبَ اللونِ من شفق الغروب)
 بتُ أُحادث نفسي شِعراً؟! مُرادف الغرابة في قاموسي، يتجه للبائع، ثم يناديني..انسى المكالمة و الشعر و تلقائياً اتجه نحوه.. 
= الحاجة بتشرب شنو عادة؟ 
- موية؟ 
= في العصائر! 
- آه..طبيعي. 
= و نوال؟ 
(عصير زقوم و حميم) 
- آ... 

اتوجه لصاحب البقالة بالسؤال: اكعب طعم عصير عندك وين؟ 
يتفاجأ مختار، يجيبني الشاب (الفي الرف التحت من التلاجة دااك، جابتو الشركة لينا لكن ما مستساغ من الناس، عايزين نرجعه.) 
- اتفضل..ده ح يناسبها. 
ذكرتني نظراته للحظة بوالدتي، قررت المغادرة لعدم أريحية شعرت بها فجأة.. اتى صوته:
= و أنتِ؟ 
- شكراً. 

صعدت للسيارة، و نظرات نوال تنطق غيظاً، لحقني، قدم العصائر و لم ينسنِ، ثوانٍ و كادت نوال أن تبصق،  كاد الضحك أن يفضحني،  ادعيت البراءة و سألتها: 
- طعمو كيف؟  
 اجابني صمتها، طلبت من مختار أن يرفع صوت الأغنية في المذياع، صوت سيد خليفة رحمه الله.. هذا الصوت كفيل بأن يُنسيني منفى.  
     - خداك من شفق المغيب
       و آه من خديك آه
       و عيناك يكمن فيهما ليلٌ تسربل من دُجاه 
       و اكاد اسمعه يناديني، اجل هذا نداه
       و اظل اهتف من دمي، و الوجد يخفق
هل اراه. 

    من أنت يا حلم الصبا، من انت يا امل الشباب. 
    من أنت يا من رُحت أنشده و لكن لا اُجاب؟ 

بين مزارع القصب على الجهتين، ثم حواشات الأهالي التي تُزرع عادة بفول او قمح او قطن و ذرة و غيرها، و بين طريق وعر نصل لنهايته ثم نكتشف أن البعض أغلقه رغبةً منه في عدم تأثير التراب الذي تناثره السيارات على محصوله و على صوت سيد خليفة وصلنا القرية،  ليستقبلنا صهريج مياهها الذي يرتفع بين أشجار النيم و المسكيت بلونيه الأسود و الأبيض،  اوصلنا نوال، و التي الحت علينا و على ضيفنا(خصوصاً) تشريفها بشرب شاي المُغرب معها، اعتذر لها بلطف،ثم اوصلنا، لتخوض معه والدتي نفس الحوار و يرفض بلطافته التي عهدناها منه، لموعد له مع صديق، و قطع وعداً على نفسه أن يخصنا بزيارة في القريب العاجل.  






جرعة صيانة (6)

جاءت لحظات وداع المستشفى التي انتظرتها بنفاذ صبرٍ، فلكمات نوال المتلاحقة لم تؤذنِ، بل آذتني محاولات تفاديها الكثيرة، أحاول التمسُك بسلامتي العقلية و لكن من دون أن اتبع طريقها، فهنا حُفرة تقصدني بها، و تلك تقصد بها عصام، و أخرى والدي، و هكذا فالطريق خلف حديثها مُلغم.

أصر مختار على أن يوصلنا للمنزل، و تصر والدتي على العودة مع بقية من حضروا من منطقتنا،  و  في مواجهة كهذه.. الغـلبة للرجال. 
خرجنا في براحٍ عكس ذلك الذي دخلنا بين ضلوعه، فجأة تتغير ملامح العالم، يتوفر الأوكسجين، يخِف الإختناق، تبدأ حياة أخرى،  ابطالها من الكادحين، ستات شاي ،بائعات تسالي و فول سوداني يفترشن الأرض، درداقة اوانٍ منزلية يجادل بائعها إحدى النساء، بقالات و كافتيريات رأت النور منذ وقت قريب،  منذ وقت قصير تحولت بوابة المستشفى من الجهة الشرقية للشمالية، و سحبت معها الزخم البشري من جهة لأخرى،  لتصبح البوابة القديمة التي كانت تنضحٰ حياة... مجرد بوابة.  توقف مختار اشترى من بائعة ما بعضُ اكياس الفول السوداني، سرتُ خلفه متثاقلة،أحرص على أن اصقل نظراتي فلا تتخذه قبلةً. 
سبقتني والدتي و بالتأكيد نوال،  اختارت بجانب مختار مقعداً، دعوت الله سراً بمقعد في الجحيم يسعها و يزيد نيفاً، ثم استغفرت نادمةً، فعدت مجدداً لنفس الدعوة.
تتأسف والدتي كثيراً، و يمنعها مُحرجاً مختار،  و انا اراقب دفق الأكسجين إلى رأسي..قليل هو، افتح النافذة و احاول أن اصنع عالماً جديد لي في مخيلتي،  اكون فيه جذابة، إمرأة أعمال ناجحة، لا املك عيون راكون تحيطها الهالات، عالم امارس فيه طقوس الكلام بشتى اللغات، ارقص فيه بحرية، اصلي بخشوع، عالم لا يحكمني فيه ميزان في ركن الصيدلية او سعرات حرارية، عالم لا اسمع فيه نصائح و إعلانات للتخسيس،  عالم لا يتجاذبني بين طرفين متراميين، بين وزنٍ ارضي به المجتمع... و آخر أرضي به توقي للموضة. 

= ما قلتي لي يا عبير.. خطيبك لاقيتيهو وين؟ 
يبدو الصوتٌ بعيداً، اعيد ارجاع رأسي للداخل قليلاً، تعود نفس النغمة المزعجة للإرتفاع،  تُعيده عليّ نوال، اعود للواقع بقوة، يبدو أنه شعار ٌ قومي الجديد، ارتفع في أحلامك كما تشاء،فالعودة للواقع هي اختصاصنا. 

الثلاثاء، 7 فبراير، 2017

جرعة صيانة (5)

كل ما تطلبه الأمر كان مجرد سؤال بـ(مَن هو)، و كادت الأمور أن تصل إلى تزويدي برقم بطاقته الشخصية، هذه بلدةٌ لا سِر فيها، كل المسألة هي من ستسأل، بل إنه في بعض احيان ليس مطلوباً إستيفاء شرط طرح سؤال للحصول على جواب في أمورٍ قد لا تعنينا البتة.
لا يهم، حصلت، على ما أريد.
أصبح له في ذاكرتي ملفاً، لا يهم اياً من ملفات الذاكرة حذفت، كل ما يهم أنني قد حجزت له مقعداً وثيراً، مقعداً يليق به.

انتهى العرس و عادت حياتي تسيرٌ في نهجها المعتاد، سافر عبدالعظيم و حرمه إلى (اسمرا)،  فالطريق إلى القفص الذهبي هنا، لا بد أن يتخذها ممراً.

عُدتُ لروتين عملي كامل الدسم، وجدت مجتبى مساعدي قد عاد قبل ايامٍ قليلة من زيارة لأقارب له بالعاصمة.
مجتبى كما ادعوه انا و شهادة الرقم الوطني،  و (تبو) كما يدعوه ابناء منطقته،  هو المجس البشري لمشاعري، قدرته على قراءتي تفوق قدرات سلوى الخارقة على معرفة الأخبار، و قدرات رجاء على التنكيد على حسن، بل و تفوق غضب صاحب الجزارة الذي يفتح محله في موقفنا من زبون أخبره نكتة سمجة عن أن(الصديق الوحيد للجزار هو.. الكلب) و غلظ في ذلك أيمانه.
يفهمني جيداً، لا ادري اصدقاء نحنٌ أم علاقة دواء، تعجبني جسارته حينما يتعلق الأمر بحياته و قص تجاربه الشخصية، غالبية من أعرفهم هكذا، انا فقط اهوى الإحتفاظ بالأسرار، بالمال،  بالطعام، الأقلام... و حتى الشحم في جسدي، أجيد الإحتفاظ بأشياء عظيمة.
اتذكر لقائي الأول به، دخل الصيدلية كسائح،خلع سماعته من أذنيه،انتقل ببصره سريعاً على الرفوف، سأل ببرود: نظام ترتيب الرفوف عندكم كيف؟
أجبته:- حسب الـmaterial condition ،يمينك الشرابات،شمالك الحبوب،و جمبها القطرات، و في القسمين حسب الpharmacological  action.
=كدة تمام، بظهر عليكم بكرة، عندي كورة الليلة.
و غـادر ببساطة، كانت هذه اولى انطباعاتي عنه، قبل ان ادرك انه بالإضافة إلى عشقه للرياضة، ينتمي لمُلّاك عقارات العصر الحديث الذين يمتلكون  في كل زقاق إلكتروني قطعة أرض، تويتر، فيسبوك، انستغرام، سناب، قوقل بلس، حتى لينكد إن و تطول القائمة،لا أدري ماذا يفعل في كل هذه المواقع.. و لا أعلم أي ملفاته التعريفية يليق بتقديمه بشكل متوازن، كوميدي من الدرجة الأولى، غالباً عندما يتشاجر و خطيبته يضع صورة مكتوبُ عليها"بعنا حبك.. و اشترينا غنم"..و يكفيني هذا تعريفاً.

 أحب عفويته، و تؤلمني سيطرته على جهاز التحكم، و تؤلمني قنواته التي يشاهدها،  فهذا رجل لا يترك نشرة كاملة او موجزاً لأخبار رياضية إلا شاهده،  قاعدته الحياتية الأولى "أن أي شيء يُعرض على القنوات الرياضية، هو شيء يستحق المشاهدة".

لحظة بعد السلام، نظرة مُستعجلة و يسألني: (الحاصل عليك شنو؟ ولا دخل حياتك زول؟) هكذا فقط في ارض اللامقدمات هذه،  لن أكذب فأخلاقي ارفع من هذا بقليل، سأتنصل، فالتنصل شيمة الجبناء الذين لا يكذبون، اخبره بشأن أحداث العنف في زواج (عبدو)،  أشكو له من أبناء إبنة خالتي هيام ، التي تركت أطفالها في حضرتي و ذهبت لأداء طقوس العودة بعد سفر، تعزي هؤلاء في والدتهم، و اولئك في ابن اخيهم، تتجاهل فلانة بسبب تجاهلها لها في عزاء والدها،  تبارك الحج لعلان.. فقانون الإجتماعيات هنا أن (العزاء بالعزاء و الفرح بالفرح... و مافي زول أحسن من زول،  و الما جانا في فلان ما يلومنا)... عدالة إجتماعية، فالعُرف الوحيد الذي ننحني له إحترامـاً و الذي يربطنا رغم بغضه هو....اللوم!
 تقاطعني استشارات دوائية  و وصفات طبية تُريحني من عناء أختلاق مواضيع طرفية مهملة...

ثوانٍ معدودة و نلمح أخصائي الجراحة الذي يتخذ من طابقنا الثاني عيادة له يهرول نحو سيارته، فُرِغت العيادة و أغلق بابها، تنزل (سوسن)  المُسجلة، حاملةً إلينا خبراً يقين عن حادث في الشارع الرئيسي،نتيجة لإصطدام عربة تقل مساجيناً في طريقهم إلى المشاركة في تنظيف الحشائش التي تنمو مع قصب السكر في المشروع، حاولت تجنب عربة كارو (يجرها حمار) تحمل خضروات من سوق الخضار، ،فاصطدمت بسيارة من موديل 87 تقل ركاباً من جهة مصنع السكر فانزلقت في جدول بجانب الطريق... هذا إعلان طوارئ من الدرجة الأولى.
كاد الدوام أن ينتهي، 5مكالمات من سلوى، 3 مكالمات من رقم غريب أقرر الرد، يأتي صوت والدتي تخبرني بضرورة اللحاق بها في المستشفى،  فإبن نجاة قريبتنا (من الدرجة الخامسة و العشرون تقريباً) من المصابين في الرأس و علينا ان نلحق بالمشفى سريعاً قبل تحويله بالإسعاف إلى مدينة كسلا لعمل أشعة مقطعية.
و هكذا وصلنا إلى المشفى، ازدحام في البوابة الرئيسية يكاد يكون خانقاً، فقد الحارس الذي يقف في البوابة السيطرة، ضاقت أخلاقه أكثر مما كانت، و ربما انتهى دفتر  تذاكر دخول  المشفى من فئة الإثنين جنيه الذي بيد (قاطع التذاكر) الذي ينتمي لذوات الدم البارد، الذي يحافظ على حيادية ملامحه رغم الضغط البشري المرتفع على البوابة. 

في كل وجهة تجد شخص تعرفه، حكايةٌ المدن الصغرى،  وجدت عصام أخي حاملاً ورقة وصفة طبية و تصديق إسعاف دلني على مكان والدتي،  لا اكاد اجد موطأ قدم،  البعض يبكي و آخرون يتناقلون الأخبار عن محاسن الجرحى، عن لحظاتهم الأخيرة قبل الحادث، البعض يستمعون إلى شهود عيان من موقع الحادث...و كلٌ في أمره و أمر غيره.

وقفت في ممر الطواريء، لم اكمل سلامي و محاولات (تصبير) والدة حمزة العبثية ثم استفساري عن حالة حمزة حتى فاجأني صوت غليظ، عاملة نظافة تسد علينا الطريق و تبدأ بالصياح:  (بالله ما تدخلوا، ديل شنو ديل... تياب الهزاز دي معلقاتنها في الباب صح؟ بس تسمعوا سيرة حادث تجوا جاريين بسفنجاتكم).؟..شكراً للمعاملة الكريمة،  أين تشتكي و لمن؟ لرب العباد. 

يخرج الطبيب، تتبعه ثلة، بالنقالة يتم إدخال حمزة في الغرفة العامة، نتبعه، يكتب الطبيب الشاب وصفة طبية أخرى، و....تُقْطَع تراتبية التفكير بصوت نواح عالٍ،شد حتى الجرحى على الأسرة المجاورة، نسي المصابين الألم و الكسر و الشق و النزف والمرافقين الهم، يتبعون الصوت و الصورة القادمين بنقاء عالي، بثوب جديد باللون الكبدي،  و حذاء مفتوح بلون نمري، و 4 خواتم ذهبية مما لا تقل عن 3 جرامات للواحد موزعة على اليدين، و عطر  فاخر يكاد يصل شذاه للغرف الأخرى، جاءت تبكي و تصيح.. (كُر عليك يا حمزة)،  (ووووب علينا من كلام الناس الما بريح)، (الله يـ.... 
= كفاية لغاية هنا،  انطمي. 
عصام و مختار بصوت واحد، أجمل مخُرجات المجتمع في مٰحاربة (نوال)، الأسطورة التي خذلها موقعها الجغرافي في هذه السافانا لتكون إحدى الأساطير الهوليوودية،  و رغم هذا فالنسخة المحلية لـ(الشيطان يرتدي ثوباً) هي وكيلها الحصري...حيث لا منافس. 
دقيقة؟... من أين يأتي هؤلاء**، لا اقصد نوال،  فمُناخ السافانا هنا لم يُمرر لها العدوى، لم تجتاح الأغبرة يوماً مشاعرها فهي دائماً متقدة بأسوأ ما يكون،  و لم يُصب جفاف الشتاء محاجر دموعها التي تتحين الفرص لتستعرض ملوحتها،  و لم تزد أمطار الخريف في روحها سوى ترسباً لطمي حقد لا مبرر له.. فقط شابهته في غياب الربيع... هذه إمرأة لا ربيع لها. 

أمرأة تضحك معك حتى باب بيت العزاء، تدخل و اكون أنا لا زلت احتفظ بباقي ابتسامة،  و تدخل هي كأنها فقدت الماً قطعة من روحها مع الفقيد. 
أذكرها جيداً، فأكثر مواقفها حفراً في ذاكرتي، هي أثناء عودتنا من عرس قريبٍ لنا من العاصمة في اواخر التسعينات،  ايام  (الكَشات)، اوقف مجموعة من العساكر العربة التي تقلنا و أنزلوا خالي عمر و الذي كان في إجازة بعد أن عاد من المملكة و معه صديقه و هو اخٌ لنوال من أجل التجنيد، اذكر بكاء جدتي ووالدتي... و بالطبع (نوال)،  و الذي اذكره اكثر من دموعها كان انها حاولت اقناعي كطفلة، أن ادّعي بنوتي أنا و اطفال آخرين لمَشْروعي التجنيد هذين(خالي و محمد)، استجاب بقية الأطفال و لم احرك ساكناً انا لطلبها، حرك ساكني صفعة اهتز لها خداي، صرخت الماً، مسكتني من يدي و بقية الاطفال و نزلت من العربة، ضغطت يدي فزدت بكاءاً..اقنعت العساكر بأننا ابناء الرجلين و انها زوجة احدهم و أن الآخر ارمل... يربيني و أخت لي،  ارته دمعي، اقتنعوا، اطلقوا سراحهما، و اتفقنا انا و هي منذ تلك النقطة على ألا نتفق ابداً...تكن لي حقد العالم و ابادلها شعوراً، هذه هي النقطة السوداء البارزة في سجلي الشخصي تجاه أحد من خلق الله...و هي كراهية غير معلنة،  تدخل كمادة سرية في تركيب معظم عباراتها، في غمزاتها،  و نظراتها.. تودني علانية و تكرهني سراً..و اكرهها سراً و اقابلها صمتاً.

لم اسأل من أين اتى مختار مجدداً، أعجبتني نهرته كثيراً لعدوة سعادتي،  صمتت نوال،  اطمأن الجميع بالنتائج الأولية، قليلة هي الإصابات الخطيرة التي استدعت طلب فحوصات اوسع، سُفّر حمزة بالإسعاف في موكب مهيب، رافقه عصام فقط حسب طلبه،  لا ادري في اي كوة كانت،  فجأة قدمت.. وقفت و قد تحرك الإسعاف.. نزلت للأرض قابضة أثراً من تراب ممر الإسعاف،  خُيلَ لي أنها ستضعه في فمها تنفيذاً لعبارة (سَف التراب)..ربطته في ثوبها الفاخر.. و انزلت دمعتين، قبل ان تلتفت لي و تُجرعني حنظلاً:
= يا كافي البلاء حتى الفحوصات إلا يسفروا ليها لي حتة تانية، لا علاج زي الناس و لا دكاترة زي الناس ، لا صيادلة زي الناس، بري بري. 

ابتلعتها،  ينفعني سُمْك جلد أحاسيسي،  اتخذت من البكتريا قدوة،  طورت مناعة. 
فليمت السُم في فم الثُعبان. 
ظهرت سلوى على غير عادتها متأخرة، بوجود نوال لا يفتقد أحداً أحد، إلا من تشير لهم هي،  وقفت سلوى و قبل أن نفرغ من رد السلام،  استأنفت:- 
الحمار مات،الكان جَاري الكارو،  و في سجين شَرد،  الدنيا مقلوبة عليهو برا. 


--------------------------------------
* فكرة الفيلم الأمريكي: The devil wears prada.
عبارة معروفة لعبقري الرواية السودانية: االطيب صالح.