الاثنين، 20 فبراير 2017

جرعة صيانة (7)

الصدمة؟ ليست الكلمة التي ستفي مشاعري حقها تعبيراً، تنظر والدتي ناحيتي،  تنتظر اجابة مني، و ربما اعتراف يريحها من تفاصيل سيحاول القادمون انتزاعها كما الظفر من اللحم مني... انا اهلٌ لها، لنوال و للتفاصيل الصغيرة، ملكة الملاحظات و الدقة، سأصنع لنوال قصة، سأضغط على مواطن الألم في عقلها المستدير، أثير غيرتها، حفيظتها، استيائها، أزيد نار كرهها لي جازاً و بنزيناً و زيتاً..فلتفتح ابواب الجحيم السبعة..

يعتمل عقلي بالتفاصيل، سأصنع بطلي،  إذا كان بعض سكان الكوكب يصدق الأفلام الهندية.. فمن أين لي بالفشل؟

= في الجامعة، جاء لي أخته وقت مناقشة بحوثات التخرج، و اتعرف علي... و كلمها هي، و الباقي تاريخ زي ما بيقولوا. 

فقط هكذا، بسلاسة من دون جهد يُذكر، اصلح مختار الذي تناسيت وجوده كما يتناسى طبيب التداخلات الدوائية في وصفة طبية من 5 ادوية.. المرآه.  اصبح ينظر لي بتركيز، كمن يحاول أن يستبين ملامحي، أشعر برغبة في الإعتراف له لا أدري لماذا، و في الإعتذار لوالدتي التي أصبحت في نظرها كاذبة... و لكن تُرجِح كفة نوال.. سأواصل اللعبة. 

= جنسو شنو؟ 
بشري خالِص ليس على غرارك،  لا نشك في نسبه لإبليس، و لا في قرابته من فرعون، و لا في صداقته بأبي لهب.. 

- رباطابي. 
أعجبتني الفكرة كثيراً، اود شخصاً بهذه المواصفات،  شخص يرد عليها دون أن يتلفت للحلقة الملائكية التي تلبسها تاجاً، سيرد عليها بذكاء حتى يجف فمها. 

= و شغال شنو ده؟ 
بطل في قصتي التي أقص تفاصيلها التي أُحيك خيوطها آنياً لكِ.
- مهندس طيران.  
فاجأت نفسي، حواجب والدتي ترتفع بسؤال نوال، و تهبط بإجابتي، تلحقها نظرات جانبية طالبةً استسلامي، ثم نظرات للخارج..
تسألني أين يعمل؟ فأقرر أن أدعي تلقي مكالمة هاتفية،  اضع جوالي في وضع الطيران، افتح ملفات النغمات ثم.. تبدأ نغمتي بالصَدح، أجيبها و انا امسك الهاتف و اقربه من أذني بالقول: في سودانير.

الو.. 
اهلين نادية.. تمام؟ 

ترمقني والدتي بفيضٍ من نظرات، يتوقف مختار فجأة امام بقالة، اتبعه بنظراتي، ينزل من سيارته، لا أدري من أي شقوق الذاكرة تدفق في رأسي بيتٌ شعرٍيٌ، لا أتذكر لمن هو، فقط أحسست أنه يصفه:
(و قال الشمسُ أهدت لي قميصاً،قريبَ اللونِ من شفق الغروب)
 بتُ أُحادث نفسي شِعراً؟! مُرادف الغرابة في قاموسي، يتجه للبائع، ثم يناديني..انسى المكالمة و الشعر و تلقائياً اتجه نحوه.. 
= الحاجة بتشرب شنو عادة؟ 
- موية؟ 
= في العصائر! 
- آه..طبيعي. 
= و نوال؟ 
(عصير زقوم و حميم) 
- آ... 

اتوجه لصاحب البقالة بالسؤال: اكعب طعم عصير عندك وين؟ 
يتفاجأ مختار، يجيبني الشاب (الفي الرف التحت من التلاجة دااك، جابتو الشركة لينا لكن ما مستساغ من الناس، عايزين نرجعه.) 
- اتفضل..ده ح يناسبها. 
ذكرتني نظراته للحظة بوالدتي، قررت المغادرة لعدم أريحية شعرت بها فجأة.. اتى صوته:
= و أنتِ؟ 
- شكراً. 

صعدت للسيارة، و نظرات نوال تنطق غيظاً، لحقني، قدم العصائر و لم ينسنِ، ثوانٍ و كادت نوال أن تبصق،  كاد الضحك أن يفضحني،  ادعيت البراءة و سألتها: 
- طعمو كيف؟  
 اجابني صمتها، طلبت من مختار أن يرفع صوت الأغنية في المذياع، صوت سيد خليفة رحمه الله.. هذا الصوت كفيل بأن يُنسيني منفى.  
     - خداك من شفق المغيب
       و آه من خديك آه
       و عيناك يكمن فيهما ليلٌ تسربل من دُجاه 
       و اكاد اسمعه يناديني، اجل هذا نداه
       و اظل اهتف من دمي، و الوجد يخفق
هل اراه. 

    من أنت يا حلم الصبا، من انت يا امل الشباب. 
    من أنت يا من رُحت أنشده و لكن لا اُجاب؟ 

بين مزارع القصب على الجهتين، ثم حواشات الأهالي التي تُزرع عادة بفول او قمح او قطن و ذرة و غيرها، و بين طريق وعر نصل لنهايته ثم نكتشف أن البعض أغلقه رغبةً منه في عدم تأثير التراب الذي تناثره السيارات على محصوله و على صوت سيد خليفة وصلنا القرية،  ليستقبلنا صهريج مياهها الذي يرتفع بين أشجار النيم و المسكيت بلونيه الأسود و الأبيض،  اوصلنا نوال، و التي الحت علينا و على ضيفنا(خصوصاً) تشريفها بشرب شاي المُغرب معها، اعتذر لها بلطف،ثم اوصلنا، لتخوض معه والدتي نفس الحوار و يرفض بلطافته التي عهدناها منه، لموعد له مع صديق، و قطع وعداً على نفسه أن يخصنا بزيارة في القريب العاجل.  






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق